Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
23 janvier 2012 1 23 /01 /janvier /2012 13:05

       zied-krichen          

 

 

 

مارأيناه مؤخرا من اعتداء بالعنف على صحفيين أمام قصر العدالة يبرز مفارقة باتت اليوم واضحة بين متبني العنف كوسيلة للخطاب السياسي والنابذين له. هيئة المعتدي تشير إلى انتماء "مذهبي"، قد يكون سلفيا. لكنه يبقى عنفا اجتماعيا بالأساس، وإن مورس باسم الدين

 

 

العنف كمنهج عام في التعامل

 

هذا لأن مجتمعاتنا العربية دأبت على تبني العنف وانتهاجه في كل أطوار الحياة. من النواة الأسرية الأولى إلى العنف الممارس في المؤسسات التربوية (بإيعاز وتحريض من الأبوين أحيانا) إلى التعذيب كوسيلة ردع سياسية. وفي هذا الإطار أتت الاستعاضة عن صورة الأب الممارس لسلطته الأبوية لما فيه خير الأسرة، بشرعية سيف النظام المسلط على معارضيه لما فيه خير البلاد، كما يراها. فصورة "الحامي المضطهد" (بكسر الهاء) هي ذاتها في الحالتين، وكما تقبل الأسرة أن يضطهدها رب البيت ويحميها، يرى المجتمع أنه من الطبيعي جدا أن يضطهد ولي الأمر شعبه ويحميه

 

فالعنف السياسي ليس إلا امتدادا للعنف الاجتماعي. ومتى قبلت النواة الأسرية الأولى بالعنف كخطاب ممنهج ورأته شرعيا، قبل المجتمع بالعنف الممارس على صعيد سياسي وبرره. وفي هذا الباب مباحث كثيرة، فعنف السلطة ممنهج في قضايا الحق العام. ومرده في بعض الأحيان إلى غياب الامكانيات التقنية بأيدي المباحث، التي تستعيض عن هذا الإشكال بالتعذيب للحصول على اعترافات وغير ذلك. فعنف السلطة كان ولا يزال إلى حد ما منظومة متكاملة وإلى ذلك أشار تقرير المنظمة العالمية لحقوق الإنسان حول الأوضاع في تونس، في جويلية الماضي (أي بعد سقوط بن علي). فهي منظومة تستدعي حلولا هيكلية

 

 

لن نتجاوز مرحلة التوصيف إلى التطرق إلى المسببات التاريخية التي لا نرى، بخلاف غيرنا، أحقية نسبتها إلى الدين. وقد يطول شرح الأسباب التي جعلت في سيوفنا رهقا وفي كلامنا زللا. ولعلها ذاكرتَنا الجماعية التي قد تكون صاغتها ممارسة معينة للدين، كما صاغها غيرها من العوامل. وقد يذهب مفكر ك"مونتسكيو" صاحب كتاب "روح القانون" في تفسير هذه النزعة إلى الطقس ومسبباته، والتاريخ وحيثياته، والدين وجزئياته. وأفسرها من ناحيتي بغياب الحضارة كتصور وعدم اكتمال مقومات التحضر فينا. وقد نتطرق إلى ذلك في مقال آخر

 

 

على ضوء هذه التفصيلات، نصل إلى أن الدين ليس عنيفا وإنما العنف هو ديني في بعض الحالات. فيحدث أن يلتحف العنف بعباءة الدين، لكنه يبقى رغم ذلك ذا طابع اجتماعي بالأساس، يغفل عنه الكثيرون في طرحهم و تخدعهم اللحى المطلقة والأثواب المرسلة، ويهزهم تهديد و وعيد تتخلله تكبيرات وتهليلات، وينسون أن يروا في ذلك صيحات استغاثة من واقع بائس. ويكفي أحيانا للاستدلال على الوظيفة التذرعية للدين التطلع إلى المستوى العلمي الديني لهؤلاء ليكشف المستور. ولي في ذلك درر ونودار قد يطول الحديث عنها ولا نستوفيها. يفهم من ذلك أن العنف الديني بجزئيتيه اللفظية والمادية ليس إلا وسيلة للتعبير عن احتقان اجتماعي

 

 

العنف الديني كمتنفس اجتماعي، لماذا ؟

 

كنا قد خلصنا إلى أن العنف الديني وسيلة للتعبير عن احتقان اجتماعي في عدد من الأوساط المهمشة. ولنا أن نبين بإيجاز الأسباب التي جعلت منه المتنفس الاجتماعي الأول (لو استثنينا الوسائل التي لا تتوفر فيها وظيفة الاحتجاج كالخمر وغيره). أولاها لأنه واقع متجذر تاريخيا واجتماعيا وحضاريا، وليس وسيلة دخيلة ولا مكتسبة. وطبيعة النفس الميل إلى ما استقر فيها ودرجت عليه وخبرته. ولن تعدل عنه إلى غيره مما يتطلب منها اكتسابا وكسبا (أي مجهودا لاكتساب العلم والخبرة، والمال لذلك الغرض). كما يَسهُل تبرير العنف لما احتوى القرآن (كغيره من النصوص الدينية) على ما يمكن لعقل بسيط أن يرى فيه تحريضا على القتال، مجردا إياه عن السياق الذي أتى فيه. ومن سخرية الوضع أن التجريد عن السياق (كأسباب النزول على سبيل المثال لا الحصر) ليس إلا جهلا بحقيقة الدين. كما أن انسداد الأفق أمام هؤلاء وظروفهم المعيشية الصعبة تحول دونهم والانفتاح على الغير وتكسي قساوة الطبع وتسهل التدرج في متاهات التطرف

 

 

ما العمل ؟

 

إن نشاطات مكونات المجتمع المدني، من ندوات واجتماعات، عجزت عن استيعاب هؤلاء، ومدهم بأدوات التعبير السلمي والمدني، فغالبا ما حصرت أعمالها في محيط من يدينون بمبادئها (ما يدعو إلى التساؤل عن جدواها). والأسباب كثيرة، لعل أبرزها غياب التوافق على مستوى المرجعيات الأيديولوجية و بعض العادات السيئة كتوظيف النشاط المدني كمطية سياسية ينأى به عن دوره الحقيقي. لذا، طالما قبلنا بأحزاب ذات مرجعية دينية، وجب العمل على بعث المزيد من الهيئات المدنية تدين بهذه المرجعيات وتكون حلقة الربط بين الشباب المهمش والساحة السياسية، تسهل عليه الانخراط فعليا وعمليا في العمل السياسي الذي لا يزال اليوم حكرا على فئات دون غيرها. فلا نرى بخلاف غيرنا ضرورة إقصاء الدين من توظيفات احتجاجية وإنما ضرورة وضعه في إطار الاحتجاج المدني السلمي

  

ولا ننفي بكلامنا هذا وجود تيارات متشددة استقلت بالوظيفة الاجتماعية المنوطة بالعنف لإقراره كمبدإ في منهجها. ويأتي التعامل مع هؤلاء على مراحل، أولاها الانتهاء عن تهميشهم في الغيتيهوات الإجتماعية (وهو كلام يسهل قوله و يصعب العمل به) وثانيها احتواؤهم سياسيا ودينيا في إطار منظومات أكثر اعتدالا، والمرحلة الثالثة تهم من استعصى احتواؤه وبات خطرا يتهدد النظام العام للمجتمع، وتكون بالردع في إطار القانون وبالتعامل معه بكل حزم، بكل حزم

 

 

 

Partager cet article

Repost 0

commentaires

Safwene Grira

safwene grira

 


Safwene Grira est un journaliste et chercheur tunisien installé à Paris depuis 2007.

Juriste de formation et spécialiste de Droit Constitutionnel, il est Doctorant en Droit Public et travaille sur les libertés fondamentales dans l'histoire constitutionnelle tunisienne.

 

Recherche

Pensée du jour

 

"Tout n'est pas politique mais la politique s'intéresse à tout"

Nicolas Machiavel 

Catégories

Liens