Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
7 janvier 2012 6 07 /01 /janvier /2012 14:48

                       ISLAMEYAT.jpg

 

 

 

على من أراد الاهتمام بالشأن السياسي أن لا يغفل الجانب السوسيولوجي. فالجنوح نحو الديكتاتورية يمكن أن يفسر بمقاربة لطيفة مع طبيعة العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة كما نتصورها عندنا. فالتعبير عنها لغويا لا يعكس   إلا عملا أحادي الجانب (فعلت بها كذا وكذا ولا وجود إلا في ما ندرلما يعبر عن عمل مشترك كما هو الحال في لغات وثقافات أخرى (على سبيل المثال faire l'amour ) ولا ينفي ذلك وجود ألفاظ أحادية في هذه الثقافات ولكنها تبقى محصورة في استعمالات هامشية. وبهذه المقاربة يمكن أن نفسر عقليات كثيرة نراها عندنا: عقلية النجاح على حساب الغير وليس مع الغير، عقلية الإقصاء والإلغاء

 

 

فالعلاقة الحميمية الجائرة تغذيها نزعة لغوية ملحة نفسرها بطغيان مبدأ المحافظة على سلطتي العقل و الدين على حد سواء. فطغيان نزعة المحافظة في فئات مترفة أنشأ محرمات موضوعية، أقصت المواضيع الجنسية بإقصاء الكلمات المعبرة عنها. والمحافظة ليست إلا تعبيرا عن استفحال "التأنق" في مجتمع بورجاوزي (ما نسميه   بالعامية "الفيانة" وما تسميه أدبيات القرن السابع والثامن عشر في فرنسا "la préciosité" وفي ذلك كتب المسرحي العظيم موليير مسرحية "المتأنقات السخيفات" "les précieuses ridicules"التي عرضت لأول مرة عام 1659) واستفحال التأنق أدى إلى سلطة الكناية، والكناية إلى إقصاء المواضيع بالاستغناء أولا بالتلميحات عن التصريحات ومن ثم إلى تغييب كلي لها. ولما أقصيت هذه المواضيع من استعمالات لها في المجتمعات المحافظة، بقيت الكلمات على فصاحتها منحصرة في لغة من لم تطلهم سلطة الكناية فلم يروا فيها حرجا. وهؤلاء سوسيولوجيا هم المقصون، فواصلوا استعمالها ونراها اليوم ـ على فصاحتهاـ أضحت كلمات "نابية". والدليل على فصاحتها يسير، ويكفي في ذلك الاطلاع على لسان العرب لابن منظور لنجد ما يغنينا عن مزيد الاسترسال. فيفهم من هنا أن مفهوم "النابية الجنسية" هي التعبير عن إقصاء، وعن امتعاض البورجوازية عن التشبه بغيرهم، بمن يرونهم دونهم

 

 

التصريح الجنسي والدين


لكن هل لمفهوم الألفاظ النابية أصل في الدين ؟ نجيب بأن لا وجود في المجتمع الإسلامي الأول لهذا المفهوم كما استقر في الأذهان اليوم. فقد حصر محل الاستهجان الإجتماعي الجنسي في الاتهام بدون وجه حق  كأن تتهم المرأة بالزنى فتدعى زانية وهي منه براء أو في اقتران الاتهام بشتم كأن يقال للمرأة " يا ق***" وفي ذلك قذف محرم شرعا، أو في ما يمكن أن تنطوي عليه هذه اللألفاظ من تعريض واضح يؤدي إلى ما يحرم شرعا كتأجيج نار الشهوة بغية إغواء من لا تحل له، أما ما يقال اليوم من تعارضها ماهو متعارف عليه (أي مع العرف الذي يعتد به التشريع الإسلامي في عدد من الحالات) ففي ذلك نظر، لورود أحد هذه الألفاظ في السنة النبوية. فاستعمال الكلمات المصرحة جنسيا في غير الحالات المذكورة ليس فيه، على ما يبدو، حرج شرعا

 

الشبهات


وفي هذا الأمر ثلاث شبهات يمكن استعراضها تباعا 

 

أولاها، استشهاد بعضهم بقوله تعالى في سورة البقرة، آية 197: "فلا رفث ولا فسوق ولاجدال في الحج لنهي الآية عن التلفظ برفث القول. ونجيب هنا بأن الرفث يعرف لغة بأنه الجماع، كما يمكن أن يكون كذلك كل ما بين الرجل والمرأة من مسببات الجماع ومنه المغازلة والكلام، وهو محل اهتمامنا. وقد يكون أيضا الفحش من القول. فأما ما كان من مسببات الجماع من كلام ومغازلة فإن النهي عنه متصل بسياق الحج. والدليل على ذلك إفساد الجماع للحج في حال جوازه في غيره. فيفهم من باب أولى حصر النهي عن الكلام في الجماع في سياق الحج دون غيره. وأما ما كان من فحش القول فهو القبيح من القول وليس في تعريف القبيح من القول ما يختص بالجنس، فهو كل ما يستنكر ويستهجن، ويعتد في ذلك بالسياق وبالمتعارف عليه كاستعمال الألفاظ الجنسية في غير محلها، وهما الحالتان المحرمتان شرعا اللتان ذكرناهما آنفا. أما إن أريد استنباط الحكم الشرعي من الاقتران اللفظي بأن يقال بأن الرفث بالمعنى الذي نريده محرم لارتباطه في سياق الآية بالفسوق الذي هو محرم مطلقا، وماتقييده بسياق الحج إلا زيادة في التنبيه من خطره والتحذير من مآله، فنجيب أن الاقتران طال كذلك الجدال الذي ليس محرما لذاته في غير الحج، فتنتفي بذلك حجة من استدل بالاقتران اللفظي لاستنباط اقتران في الحكم الشرعي

 

أما محل الشبهة الثانية فهي استشهادهم بقوله تعالى: و"قولوا قولا معروفا" (البقرة، الآية 235). فيفهم من الآية الأمر بقول المعروف, لكن المعروف هو كل ما لم يأت في إطار الفحش سواء اتصل به معنى جنسي أم لا: فهو كل ما ليس من طيب الكلام، ويدرج في هذا: الاتهام بغير وجه حق أو الكلام الجنسي الذي ليس في إطاره كأن يبتغي به أحدهم قضاء وطره بمن لا تحل له. ولا يمكن الاستشهاد بالآية لإقصاء هذه الكلمات مطلقا من الاستعمال الدارج، إلا في ما يمكن أن تؤدي إليه من غير محمود الأفعال كما ذكرنا آنفا. وأما ما قيل في العرف والاعتداد به في التشريع، فيمكن إدراج العرف القائل بعدم جواز استعمال هذه الألفاظ مطلقا في إطار العرف الفاسد، بتحريمه لما يحل في حالات معينة. والدليل على ذلك ورود هذا اللفظ على لسان النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عباس لما أتاه ماعز بن مالك معترفا بالزنا فقال له النبي: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت ؟ فقال لا. فقال له النبي: أنكتها ؟ فقال نعم. فلو لم يجز اللفظ لتعارضه مع نص صريح أو لإخلاله لما عهده المجتمع في ذلك الوقت لكان النبي أولى الناس بعدم استعماله. ولو سلمنا جدلا بأنه عرف، فلنأوله على أنه عرف يحتمل تغييرا. وشرط تغيير عرف بآخر أن تكون وسيلة التغيير شرعية وأن يكون العرف الثاني جائزا، و نجزم بأن الشرطين يسهل توفيرهما

 

 

الشبهة الثاثة: فإن استشهد بالآية القائلة: "وعاشروهن بالمعروف" (النساء، آية 19) والمعروف هو ما درجت عليه المجتمعات من عادات فنجيب بأن الزواج مبني على أساس التوافق والتراضي فطالما قبل الزوجان بذلك فلهما ذلك. كما أن الزواج يقضي بوجود علاقات حميمية، ولو جازت العلاقات الحميمية فكيف يمنع التصريح بها وبمقدماتها ؟ ولو سلمنا جدلا بكراهة هذه الألفاظ، فلنا أن نُذكر بالقاعدة الفقهية التي تقول إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: ففي التصريح بالجنس بين الزوجين ما يمنع الفتور من أن يطال علاقتهما أو ما من شأنه أن يطلعهما على ما يفسد عليهما متعتهما ويؤدي بهما إلى الفراق. فطالما أشارت الدراسات إلى أن عدم التوافق الجنسي من أهم مسببات الطلاق، ولا جرم أن التوصل إلى هذا التوافق يبدأ بالكلام. فيفهم من ذلك أن لا حرج في استعمالها بين الزوجين، وهو أمر لا يقبل إلى حد اليوم لدى الكثيرين باسم الدين، والحقيقة غير ذلك

 

 

فالمحافظة ليست إلا استبدال سلطة الدين بسلطة التأنق (الفيانة) وهي وسيلة البورجوازية في ذلك. يبقى مع ذلك أن الكناية محببة والدليل استعمالها في القرآن في قوله تعالى في سورة النساء في عدم استرجاع المهر: "وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا" (النساء، الآية 16) فكنى بالإفضاء عن الجماع. لكن لا يجب أن يكون الالتزام بالكناية ذريعة لتحريم التصريح بها في مواضع التصريح، كعلاقة الزوجين ببعضهما، فلكل مقام مقال وهي ليست محرمة في ذاتها وإنما في سياقها. كما لا يجب الأخذ بها كذريعة لعدم التطرق إلى الجنس في تربية الأبناء لما قد يلحق الفتى أو الفتاة من مفاسد جراء النشأة على جهل بهذه الأمور. والله أعلم

 

Partager cet article

Repost 0

commentaires

Safwene Grira

safwene grira

 


Safwene Grira est un journaliste et chercheur tunisien installé à Paris depuis 2007.

Juriste de formation et spécialiste de Droit Constitutionnel, il est Doctorant en Droit Public et travaille sur les libertés fondamentales dans l'histoire constitutionnelle tunisienne.

 

Recherche

Pensée du jour

 

"Tout n'est pas politique mais la politique s'intéresse à tout"

Nicolas Machiavel 

Catégories

Liens